الأحد، 13 مارس 2016

■ (4) قصص في تغيير النفوس والسلوك بالحب



■ (4) قصص في تغيير النفوس والسلوك بالحب



قصة قراتها أثرت بي

 أعرف شابا صيني الأصل بوذي المعتقد مقيم في ماليزيا تعرف علي فتاة ماليزية فأحبها ، فلما عرض عليها الزواج قالت له : إن ديني لا يسمح لي أن أتزوج رجل غير مسلم ، فإما أن تسلم أو أعتذر لك عن قبول الزواج ، فقرر أن يدخل في الإسلام من بوابة الحب حتي يتمكن من زواجها  ، التقيت بهذا الشاب لما كنت في ماليزيا واستمعت لقصة حبه ودخوله في الإسلام بجميع تفاصيلها ، وكانت زوجته معنا في اللقاء وتأكد علي كل ما قاله في قصة زواجهما ، فسألته : وهل كنت مقتنعا بالإسلام عندما دخلت فيه ؟ قال : في البداية لم أكن مقتنعا في الإسلام  ، ولكن كان هدفي أولا هو الزواج بمن أحببت ، ولكني أعلنها اليوم بكل صراحة بعد مضي أكثر من عشر سنوات علي زواجنا أني أحمد الله أني دخلت في الإسلام ، فقد اكتشفت أنه دين عظيم وجميل ومريح ويسير ، فاتخذت قرارا أن أذهب للسعودية لتعلم اللغة العربية  حتي أفهم القرآن جيدا ، فلما تمكنت من اللغة العربية وفهمت القرآن ، تأثرت كثيرا بالقرآن وعلمت أنه كتاب عظيم ، فقد غير سلوكي وعقيدتي وأخلاقي وحتي نظرتي للحياة ، ثم التفت إلي زوجته وقال : إن هذه الزوجة هي سبب سعادتي في الحياة وستكون أيضا سبب سعادتي في الآخرة إن شاء الله  لأنها هي سبب دخولي في الإسلام ، ثم علمت بعد ذلك أن هذا الرجل له أثر كبير علي الصينين في ماليزيا وقد أسلم علي يديه المئات من الناس ، وكل ذلك في ميزان حسنات تلك الزوجة
إن أقوي مفتاح للتغيير هو (الحب) وليس العنف أو الغضب أو العصبية أو حتي القانون ، فما الذي يجعل الصائم يغير من سلوكه في الطعام فيصبر أكثر من خمسة عشر ساعة لا يأكل فيها ويعاني الجوع والعطش ؟ وما الذي يجعل المسلم يقطع عمله أو اجتماعه من أجل أن يصلي لله ركعات ؟ وما الذي يجعل المرأة أن تصبر علي حجابها الذي علي رأسها وخاصة في بلادنا الحارة ؟ وما الذي يجعل الإنسان يسامح ويعفوا عندما يخطئ في حقه الناس ؟ إنه الحب ، فحب الله ورسوله ، وحب رضي الله ورسوله هو الذي يجعل الإنسان يصبر علي هذه الأعمال كلها ويحب أن يضحي من أجلهما ، بل ويقدم نفسه ورحه في سبيلهما
ولهذا كان النبي صلي الله عليه وسلم يركز علي (الحب) في كل أعماله وحتي أثناء تأسيس الدولة ، فإن أول عملين عملهما النبي صلي الله عليه وسلم في المدينة عند تأسيس الدولة ، المآخاة بين المهاجرين والأنصار وبناء المسجد ، فأما الأول فهو تأسيس للحب في العلاقات الإجتماعية حتي يتماسك المجتمع ويستقر ، والثاني هو تأسيس لمنهج حب الله تعالي وتقوية العلاقة به من خلال الإرتباط بالمسجد
وأذكر مرة اشتكت لي امرأة من سلوك سيء يفعله زوجها فقلت لها غيريه (بالحب) ، وأب حاول أن يمنع ولده من التدخين فلم يستطع ، فقلت له : استثمر (الحب) في تغيير ابنك ، فقوي علاقته به وصار الحب قويا بينهما فاستثمر ذلك بقوله له : إن كنت تحبني اترك التدخين ، فربط الحب بترك التدخين ، وكانت المفاجأة أن الإبن ترك التدخين بعد فترة من الزمن ، ومحاضر تحدث أمام فتيات غير محجبات بمحاضرة عن الإيمان وحلاوته ، وعن كرم الله ولطفه لعبده ، فقامت إحدي الفتيات وقالت له : أول مرة يأتينا شيخ لا يحدثنا عن الحجاب ، فرد عليها قائلا : أنا تحدثت معكن عن حلاوة الإيمان وحب الله تعالي ، فإذا شعرت الفتاة بحلاوة الإيمان وصار حب الله في قلبها ، فإنها ستتحجب من غير أن يأمرها أحد بالحجاب ، لأنها أحبت الله ومن يحب فإنه يطيع من أحبه ، وكما قيل (إن المحب لمن يحب مطيع) وهو جزء من أبيات شعر جميلة نسبت للشافعي رحمه الله وهي (تعصي الإله وأنت تظهر حبه .. هذا محال في القياس بديع ، لو كان حبك صادقا لأطعته .. إن المحب لمن يحب مطيع)
إن قصة الشاب الصيني هذه تذكرني بقصة مشابه لها حصلت في زمن الصحابة رضي الله عنهم مع الطفيل بن عمر الدوسي عندما دخل في الإسلام فجائته امرأته لكي تقترب منه فمنعها وقال : لقد أصبحت على حرام , قالت : ولم ؟ قال : أسلمت ، فكان ردها : أنا منك وأنت مني وديني دينك .. فأسلمت .. وقصص كثيرة في استثمار الحب للدخول في الإسلام في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، ومنها قصة أم بنت الحرث بن هشام فقد أسلمت يوم الفتح بمكة ، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن ، فلم تتركه وارتحلت إليه حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام ، فأسلم علي يديها ثم قدم على رسول الله صلي الله عليه وسلم مسلماً ، وقصة ثالثة لأم سليم عندما جاء أبوطلحة ليتزوجها وهو مشرك فأبت وقالت له : إن أسلمت تزوجتك وصداقي إسلامك : فأسلم أبو طلحة رضي الله عنه فتزوجته

فهناك طريقتان لتغير النفوس والعقول الأولي من خلال (الحب) والثانية (بالترغيب والترهيب) وكلاهما يغيران السلوك والنفوس ، ولكن الحب أثره أكبر ومفعول التغيير فيه أطول ، بينما الترغيب والترهيب أثره سريع وعمره قصير  

■ التضحية في هذه الحالات خطأ ؟




■ التضحية في هذه الحالات خطأ ؟



قال : هل أضحي لجميع أحبابي وأصدقائي أم لأشخاص لا يستحقون التضحية ؟ وإذا لم أضحِّ لبعض الأشخاص فهل هذا صواب أم خطأ ؟ وإذا كنت أضحي من أجل شخص وهو لا يضحي من أجلي فهل أستمر بالتضحية أم أتوقف ؟
قلت له : إن التضحية من علامات الحب ، فالوالدان يضحيان من أجل أبنائهما ، والتضحية أساس استمرار العلاقة الزوجية وهي خلق أساسي بين الصديقين وكذلك هي من أعلى مقامات التقرب إلى الله بأن يضحي الإنسان بنفسه وروحه وماله ووقته لله تعالى ، فالتضحية خلق الأكابر وأجمل تضحية عندما تضحى عن محبة ورضى لا عن إكراه وإجبار.
ولعل السؤال المحير هو : هل نستمر في التضحية من أجل إنسان لا يضحي من أجلنا ؟  والجواب عن هذا السؤال من شقين : الأول أن نختار الاستمرار بالتضحية وننويها لله تعالى ولكن بشرط أن لا يكون ذلك على حساب نفسيتنا وصحتنا ، والجواب الثاني أن نختار التوقف عن العطاء والتضحية له . وأذكر بالمناسبة أني اقترحت على امرأة أن تتوقف عن التضحية من أجل زوجها لتشعره بعطائها فشعر بقيمة جهدها وتعبها وصار يتعامل معها باحترام وتقدير.. وبعض الناس لا يرون تضحية الآخرين وعطاءهم مثل امرأة اتصلت علي مرة تشتكي من إهمال زوجها فلما تحاورنا في أعماله ويومياته عرفت أنه يصرف كل وقته من أجل بيته وأبنائه فاطمأنت له وصارت تنظر إلى انشغاله عنها على أنه تضحية من أجلها.
وهناك نوع من التضحية نسميها (التضحية الغبية) وهي أن نستمر بالتضحية لمن يستغلنا ويستغفلنا ويهيننا ويمثل علينا ويستهزئ بنا ويظلمنا ويأكل حقوقنا ومع هذا نحن نضحي من أجله ، وقد رأيت حالات كثيرة من هذا النوع  ولكن الصواب هو (التضحية الواعية الذكية ) بمعنى أننا نضحي بإرادتنا لشخص يستحق التضحية إما لتقديرنا أو لأنه يبادلنا التضحية ، ولهذا نحن نقول إن التضحية مع الأصدقاء وبين الزوجين والأولاد لها حدود ، أما التضحية للوالدين فالحساب مفتوح وليس له حدود بسبب فضلهما علينا وإن قصرا معنا لأنهما سبب وجودنا.
ومنذ فترة مرت علي قضية لزوج أهمل زوجته وبيته وأولاده وتحملت زوجته كل المسؤوليات وصارت تلعب دور الأب والأم في بيتها حتى في الجانب المالي فهي تتعب وتكدح في عملها وتصرف على بيتها وأولادها ، أما زوجها فهو مرفه ينام بالنهار ويسهر بالليل فاستشارتني يوما بأنه يلح عليها لاستلام بطاقة البنك الخاصة بها ، فقلت لها : إياك ثم إياك أن تعطيها له ، فهو لا يستحق ذلك ولو سلمتِه حسابك فهذا يسمى استغلالا وظلما وهذه هي (التضحية الغبية) ، فنحن نضحي لمن يضحي من أجلنا ولا مانع أن نعطي الكثير لمن يعطينا القليل ونحتسب ذلك عند الله تعالى ، ولكن أن نضحي لمن لا يضحي من أجلنا ويهيننا فهذا استخفاف لنا واستغلال بنا لا نرضاه أبدا.
وأذكر أن مخطوبة سألتني كيف أعرف أن خاطبي سيضحي من أجلي فقلت لها : من الصعب معرفة ذلك ولكن حاولي أن تجمعي معلومات عن أخلاقه بشكل عام واسألي عن تضحيته لوالديه أو إخوانه أو أصدقائه فإن كان مضحيا فيعني هذا أنه في الغالب سيضحي من أجلك.

ويمكننا أن نختبر الآخرين في التضحية كأن نضحي من أجلهم ثم نرى ردة فعلهم على مواقفنا فإذا قدروها وبادلونا بتضحية أخرى فيعني ذلك أنهم  يستحقون أن نستمر بعطائنا لهم ، أما لو رأينا أنهم لا يضحون من أجلنا فنتحاور معهم لنلفت نظرهم لتضحياتنا من غير أن نمن عليهم فلربما يكونون غافلين عن تضحيتنا أو ربما يحدثونا عن تضحياتهم التي لم نرها ، ولكي تنجح أي علاقة بين اثنين فلا بد لها من تضحية لأن التضحية تعمق الحب وتزيده في الحياة وبعد الوفاة ، كما حصل بين النبي الكريم وخديجة رضي الله عنها فقد قامت علاقتهما على الحب والتضحية من أول يوم واستمر ذلك في حياتهما وحتى بعد وفاة السيدة خديجة ، وذلك لما قدمته من تضحيات عظيمة من أجله وأجل دعوته فقد صبرت على الأذى وطلقت ابنتاها وحوصرت اقتصاديا في شعب أبي طالب ودعمت النبي بمالها وأحسنت تربية البنات وفتحت له بيتها بمكة وسخرت له علاقاتها الاجتماعية لنصرة دعوته ، فمواقفها تصلح لأن تكون مدرسة للتضحية تدرس لكل من يريد تعلم الحب وتضحياته فلنتأمل ذلك .

■ (12) صنفا من الناس .. كيف نتعامل معهم ؟